ارتفاع حمض الايزوفلرك

ارتفاع حمض الايزوفلرك

Isovaleric Acidemia

كتبها للنت: دز عيسى فقية

استشاري الأمراض الوراثية

مدينة الملك فهد الطبية بالرياض

تعتبر البروتينات Proteins أحد المكونات الأساسية والمهمة في تركيب الكائن البشرى, , وحتى يستطيع الإنسان الحياة ينبغي عليه التزودبكميات كافية من هذه المركبات , كما يجب عليه القدرة الكاملة والدائمة على تحويل هذه العناصر المفيدة لإنتاج الطاقة والنمو. ولكي يقوم الجسم بذلك لابد لجميع الخلايا الحية القيام بسلاسل من التّفاعلات الكيميائيّة لهضم الطعام وتحويله لإنتاج الطاقة اللازمة للنمو وأستمرر الحياة الطبيعية . هذه السلاسل المعقدة من التفاعلات الحيوية الكيميائية لهضم وتحويل الطعام تُسمى عمليّة التّمثيل الغذائي metabolism ( و تسمى أيضا العملية الأستقلابية ) , وكلّ خطوة من هذه التفاعلات الكيميائيةّ تتم بواسطة أنوع مخصصة من المواد الكيميائية تسمى خميرة أو أنزيم ( enzyme) عند هضم وتحلل الغذاء البر وتيني , ينتج عن ذلك العشرات من المركبات المسماة , بالأحماض الأمينية Amino acids , وبدورها فأن هذه الأحماض تتحول إلى أحماض عضوية organic acids أخري بواسطة آلاف من الخمائر المخصصة ( الإنزيمات ) التي يفرزها الكائن الحي . عند نقص خميرة ما فان نسبة الحمض العضوي في الدم ترتفع إلى معدلات خطيرة و تصبح كالسم الذي يعيق الخلايا من القيام بوظيفتها بشكل طبيعي بل أنه قد يدمر الخلايا تماما ويقطع وسائل النمو والتكاثر لديها . وعلى ضوء ما سبق , نفهم بأن أمراض التمثيل الغذائي Inborn Error of Metabolism ( أو الأمراض الأستقلابية ) تحدث عند و جود نقص أو فقدان كامل لأحد هذه الخمائر ( أنزيم ) مما ينتج عن ذلك تراكم لأحد المواد الكيميائية ( أو أحماض عضوية ) مصحوبا بنقص مادة كيميائية أخرى. فأعراض المرض تظهر نتيجة لهذا الاختلال فالمادة المتراكمة تتكون كأنها مادة سامة نتيجة لتراكمها و المادة الناقصة تجعل الجسم غير قادر على أداء الوظيفة التي تتطلب هذه المادة, و إذا لم يعالج ارتفاع تلك المركبات الحمضية بالجسم فإنها قد تؤذي المخ و تسبب ضرر عقلي مستديم أو وفاة الطفل المصاب لا قدر الله . أن مرض ارتفاع حمض الآي -زو- فاليريك ( Isovaleric acidemia ) هي أحد أمراض التمثيل الغذائي الوراثية و التي تنتج من نقص أو فقدان احد الخمائر (الإنزيمات) والذي يسمى الإنزيم المكسر لحمض الآي-زو-فاليري أو isovaleric acid CoA dehydrogenase ويتم التحكم بإفراز هذا الإنزيم بواسطة أحد المورثات Gene( الجينات ) المخصصة ( يسمى IVD ) لإدارة وظيفته وذلك عبر عدد من الوسائل البيولوجية الخلوية المعقدة. وعند وجود تغير في الشفرة والنمط الجيني لهذا المورث mutation أو بما يسمى الطفرة الوراثية ), فأن الإنزيم المكسر لحمض الآي-زو-فاليري يفقد التوجيه الحيوي وبالتالي تفقد الخلايا وظيفة هذا الإنزيم , مما يؤدي إلى تراكم الحمض بالدم , وحصول ما يعرف بارتفاع بحموضة الدم metabolic acidosis .

إن مرض ارتفاع حمض الآي – زو- فاليريك من الأمراض الوراثية المتنقلة من جيل إلى الذي يليه عن طريق النمط الجيني المتنحي autosomal recessive , أي أن المورث المعطوب والموجود لدي الطفل هو نسخة موروثة من كلا من الزوج والزوجة , ويعتبران ناقلين للمرض غير مصابين . إن هذا المرض من الأمراض الوراثية النادرة عالميا , ولكنها منتشرة بشكل خاص في مجتمعنا السعودي ,نظرا لانتشار الزواج من الأقارب , أو القبيلة الواحدة ،و أن كانت تحدث في بعض الأسر من دون وجود صلة قرابة واضحة . وعلميا و عند حساب الاحتمال الطبي الوراثي لإصابة أو عدم تكرار الإصابة بهذا المرض نقول , أنه توجد فرصة للنجاة من إصابة حالة أخرى هو 75% ( ثلاثة من أربعة ) سليمين بأذن الله , ولكن تبقي نسبة الاحتمال و تكرر الإصابة بنفس المرض لا قدر الله هو 25 % ( واحد من كل أربعة) , ولكن يجب علينا التنبه أن هذه النسبة ( 25 أو 75 % ) تكون بكل حمل مستقلا و ليس لها علاقة بعدد الأطفال السليمين أو المصابين في السابق .

هذا المرض من الأمراض النادرة وعدد المصابين قليل جدا , وكغيره من الكثير من الأمراض الوراثية الموجودة بالعالم العربي وخاصة المملكة العربية السعودية لا توجد إحصاءات وطنية مؤكدة بأعداد المرضى المصابين , غير أننا نعتقد أن هناك العديد من الأطفال الذين قد يكون لديهم هذا المرض , ولكن بدون إمكانية الوعي الطبي بوجوده ومن ثم عمل الفحوصات المناسبة للتشخيص الدقيق , حيث أن الكثير منهم لا يتم أحالتهم إلى المختصين بمجال أمراض التمثيل الغذائي .

الأعراض

لا يوجد أي أعراض محتملة لدي الأم توحي بإصابة الجنين بهذا المرض , وكذلك فأن الطفل يولد بدون ظهور أي أعراض غير طبيعة ولا يعاني من أعراض ظاهرة , وقد لا تظهر الأعراض إلا بعد الأسبوع الأول من العمر وخاصة بعد البدء في إرضاع الطفل الحليب الطبيعي أو الصناعي . عند ارتفاع مركبات الأحماض العضوية , ومادة الامونيا ammonia بالدم تبدأ الأعراض الحقيقية للمرض بالظهور وهي :
• ازدياد الخمول , مع النوم المفرط مصحوبا بضعف الرضاعة .
• كثرة الاستفراغ ( القيء )
• قلة كميات البول المعتادة للمولود .
• ظهور رائحة مستغربة عبر مسام الجلد ( تشبه رائحة الجوارب الكريهة ) .
• تأخر التدخل الطبي, يؤدي بالوصول إلى حالة من الغيبوبة الجزئية أو الكاملة أو ظهور نوبات الصرع. وعند استفحال الحالة وعدم الإنعاش الطبي المكثف قد يؤدي هذا المرض إلى الوفاة مبكرا في الأسابيع الأولي .

التشخيص

الارتفاع في حمضية الدم metabolic acidosis , هو أول البوادر لهذا المرض مصحوبا بارتفاع في مادة الأمونيا فوق المستوى الطبيعي ( أكثر من 100 غير طبيعي ) , وكذلك يمكن للطفل المصاب أن يعاني من هبوط في الصفائح الدموية وكريات الدم البيضاء. يتم تشخيص مرض ارتفاع حمض الآي -زو- فاليريك بدقة من خلال إجراء فحص لعينات من الدم وكذلك البول وذلك باستخدام طريقة القياس الطيفي للكتلة المتوالي ( Tandem mass spectrometry ) والذي لا يتوفر ألا في عدد محدود من المراكز بالمملكة العربية السعودية ( الملك فيصل التخصصي و مدينة الملك فهد الطبية, والمستشفي العسكري بالرياض ) . مع العلم أن هذا المرض هو من مجموعة الأمراض المشمولة في الفحص المبكر للمواليد لأمراض التمثيل الغذائي, وعن طريق وضع نقط من الدم على كرت خاص بالمختبر و أرسالة إلى تلك المراكز الخاصة يمكن التأكد من الإصابة أو عدمها والحصول على النتائج في اقل من 48 ساعة . إن تشخيص هذا المرض يحتاج إلى الانتباه والتوجس من الطبيب المعالج و قد يساعد الطبيب إلى التنبه إلى هذا المرض وجود حالة مشابهه سابقة للمرض , و لذلك ينبغي للأبوين إخبار الطبيب بذلك . و لا تنسى آخى الكريم أن تخبر طبيبة النساء و الولادة و الطبيب المتابع لطفلك السابق عندما تخطط للحمل القادم , وذلك لإتباع الوسيلة الأمثل خلال الحمل و لعمل الفحوصات اللازمة مباشرة بعد الولادة و قبل أن يتعب الطفل .

المضاعفات

بعد أن يتعافى الطفل من الأعراض الأولية خلال الأيام الأولى من العمر قد تعاود الطفل نفس الأعراض السابقة خاصة في السنوات الأولى من العمر وهذه الأعراض لا تختلف كثيرا عن الأعراض الأولية, ولكن قد يظهر التدرج في ظهورها مع تدهور مستمر في صحة الطفل , خاصة عند مصاحبتها لأعراض الزكام , الحرارة , النزلات المعوية أو الصدرية, وتسمي الانتكاسة المرضية لمرض الاي-زو-فاليري , وتحدث باستمرار في هذا المرض :
• القيء , و الخمول , ورفض الرضاعة
• ارتفاع سرعة التنفس.
• وعند التأخر في الرعاية الطبية , الغيبوبة الجزئية او الكاملة .

تختلف حدة هذه الأعراض من نوبة إلى أخرى, ولكن عند ظهور البوادر المبكرة لتلك الانتكاسات يجب على الأبوين المبادرة سريعا بإعطاء الطفل السوائل بشكل اكبر, وذلك عن طريق الفم أو أنبوب التغذية الأنف-المعدي. قد يواجه الوالدين صعوبة في إقناع الطفل في تناول هذه السوائل لذلك قد تنفع عملية إعطاء السوائل بكميات قليلة و لكن بشكل متكرر و مستمر.

العلاج

إن هذا المرض وكغيره من الأمراض الأستقلابية لا يوجد علاج شافي له حتى الآن, كما انه ليس هناك ما يمكن عمله لتنشيط الإنزيم المعطوب غير أن هناك برنامج مخصص للوقاية أو التقليل من الآثار والمضاعفات المحتمة للمرض. يتكون هذا البرنامج من:
• جوانب غذائية تتألف من الحمية الغذائية المخصصة للحد من كميات البروتين وتهدف إلى التقليل من الآثار المصاحبة لارتفاع الأحماض العضوية بالدم
• وأخري بالعقاقير الطبية للتقليل من الأعراض الحادة والمصاحبة للمرض و تساعد على التقليل من الانتكاسات وتحد من درجة الأعراض المزمنة للمرض.

يجب إتباع الحمية الغذائية بشكل دقيق خاصة في الأمور التي تتعلق بتناول البروتينات, خاصة , فهناك أنواع من الحليب الصناعي المعد خصيصا لهؤلاء الأطفال المصابون بهذا المرض , خاليا من الحمض الاميني المسمى ليوسين leucine . ( المنتج تصنعه شركة ابوت , والاسم التجاري له هو I-Valex ) وهي محتويا على النسب الأمثل من البروتينات والمواد الغذائي الأساسية الأخرى بحسب عمر المريض . ومما ينبغي التنبه عليه أنه عند بلوغ الطفل المصاب لسن الفطام , يجب أتباع القاعدة الأساسية والتي مفادها الحذر من المواد البروتينية (كاللحوم , الألبان ومشتقاتهما ) وخاصة عند البدء بالأطعمة التي لم تكن تعطى من السابق للمريض , مع نوع من الحرية في المواد النشوية والسكريات المركبة ( الفواكه والخضروات ) . أن هذه النواحي الغذائية تستوجب المتابعة المستمرة من قبل الأخصائي المتمرس في مثل هذه الأمراض . وبالإضافة إلى النواحي الغذائية والتمسك الحرفي بما يحدده أخصائي التغذية فان هناك العديد من الأدوية التي قد تفيد من تقليل حدة المرض وانتكاساته المتكررة, ومن هذه الأدوية مادة القلاي- سين Glycine وتستخدم كعامل مساعد للتخلص من تراكم الحمض الاي-سو-فاليري , مادة الكارنتين Carnitine والتي تستخدم كعامل مساعد للتخلص من تراكم بعض الأحماض العضوية . عند حدوث الانتكاسات الحادة , ينبغي للطبيب المعالج المسارعة في معايرة حمضية الدم ومستوى الامونيا , والبدء الفوري بالإرواء الوريدي وذلك بإعطاء السوائل المناسبة لوزن الطفل . ومن المساعد جدا إعطاء مادة الكارنتين عن طرق الوريد .

التوقعات المستقبلية

بالإضافة لما سبق ذكره من المعاودة المحتملة للأعراض الانتكاسة قد يعاني بعض الأطفال المصابين بهذا المرض بضعف في الشهية والبنية الجسدية, ولكن التطور الحركي والذهني يكون في غالبية المرضي في الحد الطبيعي لمن يماثلهم بالسن .