الوراثة و القرابة

Posted by on Jan 2, 2012 in الصفحة التعليمية | 0 comments

د.عبدالرحمن السويد

استشاري الوراثة الاكلينيكية و طب الاطفال

الرياض

يشعر بعض الآباء بالذنب عندما يولد لهم طفل مصاب بمرض وراثي. ويشتد هذا الإحساس قوةً عندما يكون الوالدين أقارب لبعضهما البعض (أي عندما يكون لديهما قرابة دم). وهذا يرجع لاعتقادهم خطأً بأن زواج أبناء العم والخال تزيد من احتمال إنجابهم لأطفال مصابون بأمراض وراثية بنسبة عالية. صحيح أن زواج الأقارب من بعضهم البعض يزيد من نسبة حدوث الأمراض الوراثية بشكل عام ولكن لا تصل هذه النسبة إطلاقا إلى مئة بالمئة.

دائماً يأمل الأبوان أن يرزقا أطفالاً أصحاء، ولكن كل المواليد لديهم خطر الإصابة بعيوب أو مشاكل خَلقية عديدة. ولكلمة “خَلقية” معنى خاص لدى الأطباء ويقصدون بها كل العيوب والتشوهات التي حدثت خلال خلق الطفل في رحم أمه والتي يولد بها ( بمعنى وجودها عند الولادة ). لذلك يشترط أن تكون موجودة قبل الولادة وليس من الضروري أن يكتشفها الأطباء مباشرة بعد الولادة. إن نسبة احتمال ولادة طفل لدية عيب خلقي هو 3% لكل المواليد (أي في كل 100 حالة ولادة هناك 3 من الأطفال مصابون بعيب في الخلقة). ولو نظرنا إلى أولئك الأطفال الذين يولدون من أبوين تربطهم صلة قرابة فإن نسبة حدوث العيوب الخلقية لديهم تصل إلى 4% وفي أقصى الإحصائيات تصل إلى 6%. هذه الزيادة (6%) تبدو للوهلة الأولى قليلة ولكن إذا قارنها ب 3% او4% لأتضح لنا أن النسبة وصلت إلى الضعف. أي أن نسبة احتمال حدوث العيوب الخلقية تزيد بالضعف عند المواليد الذين يولدون لأبوين قريبين من بعضهما البعض بالنسب. ونستطيع أن نستنتج أن هذه الأرقام لا تصل بأية حال من الأحوال إلى الأرقام العالية التي يعتقدها بعض الناس بما فيهم الأطباء خطأً بأن زواج الأقارب حتمياً يؤدي لولادة طفل به عيوب خلقية.

أكثر الأمراض الوراثية شيوعاً بين مواليد المتزوجون من أقاربهم هي الأمراض التي يطلق عليها الأطباء الأمراض المنقولة عن طريق الوراثة المتنحية ( انظر الوراثة المتنحية). ويرجع السبب في هذه الزيادة لانتقال مورثات غير سليمة من أحد الأجداد المشترك بين الأبوين وينتقل هذا المورث الغير سليم (المعطوب) من ذلك الجد إلى أبنائه ومن ثم إلى أحفاده. وإذا تزوج هذان الحفيدين من بعضهما البعض فإن كل واحد منهما قد يعطي النسخة المعطوبة لأحد أبنائه عند التخصيب ولولدهما المورث المعطوب ،فيصبح لدي هذا الطفل مورثين معطوبين مما يؤدي لحدوث مرض وراثي يختلف نوعه باختلاف نوع المورث المنقول. وأنبه هنا إلى أنه حتى في الأمراض التي تنتقل بالوراثة المتنحية لا تكون نسبة تكرار المرض في العائلة 100% إطلاقاً، ولكن تصل إلى نسبة 25% في كل حمل.

باختصار إذا لم يوجد في العائلة أي مرض وراثي، فإن نسبة احتمال ولادة طفل لدية عيوب خلقية من أبوين تربطهما علاقة نسب (أبناء العم أو أبناء العمة أو الخال أو الخالة ) تكون حوالي 4% إلى 6%. هذه النسبة بالطبع أعلى من الطفل الذي يولد لأبوين لا تربطهما علاقة نسب، وهي كما قلنا 3%.

يعتقد الكثيرون ممن تزوجوا من أقاربهم وليس في عائلاتهم مرض وراثي معروف أن زيادة احتمال إنجاب طفل مصاب بمرض وراثي ليس كافياُ لمنعهم من الزواج بأفراد من الأقارب. وبالطبع لا يستطيع أحد منعهما من الزواج وإنجاب الأطفال وليس للأطباء حتى أخصائي الوراثة الحق في منعهما ودائما القرار لهما وحدهما ولوليهما قبل الزواج. ويكمن دور الطبيب هنا فقط في إعطاء الاحتمالات (بالأرقام إن أمكن) وشرح بعض الأمراض التي يترجح لدية انه من الممكن إن تصيبهما ومساعدتهما إن أمكن في تجنب هذه الأمراض.

شجرة العائلة الطبية
مما لاشك فيه أن كلاً منا يحمل بعضاً من المورثات التالفة والتي بالتالي من الممكن أن ننقلها لأولادنا وذريتنا. لذلك يهتم الأطباء خاصة أطباء الأمراض الوراثية بأخذ المعلومات – التاريخ المرضي – عن بقية أفراد العائلة كالإخوان والأخوات والعم والعمة والخال و الخالة وبقية الأقارب الآخرين. قد يستطيع أخصائي الوراثة أن يقدم المساعدة لبقية العائلة و أقاربهم عندما تتوفر لدية المعلومات التي يحتاجها ليساعدهم في اتخاذ القرار الذي يناسبهم بأنفسهم. ففي كثير من الأحيان يستطيع الأخصائي أن يحدد نمط انتقال المرض الوراثي من جيل إلى جيل آخر من المعلومات التي يحصل عليها عن شجرة العائلة .وقد يحتاج إلى إجراء بعض الفحوصات لأفراد العائلة أو عمل بعض التحاليل المخبرية لاكتشاف بعض الأمراض التي تكون الأعراض فيها غير واضحة أو خفيفة ولا يشتكي منها الشخص. الدور الذي يقوم به أخصائي الوراثة هو شرح الخيارات المتوفرة لهم دون أن يتدخل في قرارهم النهائي.

من المهم جداً تحري الدقة والصراحة عند تقديم المعلومات الطبية عن عائلتك، وعدم اغفال ذكر النقاط التالية:
* حدد للطبيب الأخوة والأخوات غير الأشقاء إن وجدوا .
* اذكر أفراد العائلة الذين توفوا خاصة الذين توفوا في سن مبكر أو عند الولادة.
* اذكر عدد حالات الإجهاض.
* اذكر أفراد العائلة المتزوجين من أقاربهم .
* اذكر الأطفال الذين يعانون وقد عانوا من مشاكل في الدراسة.
* اذكر الأطفال الذي يعانون من أمراض خلقية منذ الولادة.
قد تحتاج للاتصال ببعض أفراد عائلتك لتسألهم عن المزيد من المعلومات أو عن التشخيص الطبي لحالاتهم. أحيانا قد يطلب منك أخصائي أمراض الوراثة أن تتصل بأحد أقاربك لتطلب منهم موافقة خطية للحصول على معلومات طبية من أطبائهم او المراكز الصحية التي يتابعون فيها.

جدول يبين نسبة زواج الأقارب في معظم الدول العربية مرتبة تنازلياً

الدولة

زواج بين أقارب

زواج بين أقارب

زواجات من غير أقارب

عدد النساء المشمولات بالبحث

تاريخ اجراء البحث

أبناء العم

أقارب اخرين

السودان

66

57

9

34

5860

1998-1990

موريتانيا

59

41

18

41

2523

1990-1991

السعودية

58

36

22

42

8563

1987

العراق

58

29

29

42

4491

حوالي 1985

الاردن

56

31

25

44

6446

1990

عمان

54

33

21

46

3555

1987-1989

الكويت

53

30

23

47

4175

1987

تونس

49

36

13

51

4184

1988

قطر

45

30

15

55

3918

1987

الامارت

43

26

17

57

4832

1987

الجزائر

40

29

11

60

4800

1986

البحرين

39

23

16

61

3623

1989

مصر

38

31

7

63

9073

1991

اليمن

46

31

15

64

5687

1991-1992

المغرب

29

22

7

71

9256

1992

لبنان(بيروت)

25

14

11

75

2874

1983-1984

المصدر:كتاب الامراض الوراثية في العالم العربي.تأليف:د.احمد طيبي يرحمه الله .مطبوعات جامعة اكسفورد.1997

مواضيع ذو صلة:

زواج الأقارب للدكتور/ أحمد شوقي إبراهيم

اغتــربـوا لا تضــووا  دكتور/ عمر الألفي

لقاء صحفي مع الدكتورة/ شيخة العريض

 

زواج الأقارب

للدكتور / أحمد شوقي إبراهيم
مستشار الأمراض الباطنية
بمستشفي الصباح

كثر الحديث عن علاقة زواج الأقارب بالأمراض الوراثية في الذرية وذلك نتيجة للتقدم العلمي في علوم الوراثة في عصرنا الحاضر وما صاحب ذلك التقدم من اكتشاف كثير من الحقائق العلمية لم تكن مفهومة في العصور الماضية .
وترجع أهمية هذا الموضوع الى أن زواج الأقارب مفضل فى بعض المجتمعات وخاصة الشرقية منها وذلك لأسباب كثيرة منها الرغبة في الاحتفاظ بالثروة داخل الأسرة ، وصغر السن عند الزواج وما يصاحبه من عدم النضج العاطفي وانفراد الآباء بالقرار ، وتحتم التقاليد في بعض القبائل العربية ألا يتزوج البنت إلا ابن عمها .
ولقد تبين من دراسة ميدانية لحالات الزواج بالكويت سنة 1983 أن زواج الأقارب يشكل 54,3 % من حالات الزواج وأن نسبة زواج الأقارب سنة 1986 كانت 53,9 % مما يدل على نسبة زواج الأقارب عالية في المجتمعات العربية ومما يدل أيضا على أن الأسباب التي دعت إلي زواج الأقارب لم تقل بمرور السنين .
وفي دراسة ميدانية أخرى في هذا الموضوع في مصر سنة 1983 تبين أن زواج الأقارب يشكل 38,96 % من حالات الزواج  ،  وبعض  المجتمعات الشرقية تسمح بزواج الرجل من بنت أخيه أو بنت أخته كما هو الحال فى بعض مناطق الهند ، إلا أن بعض المجتمعات الغربية لها نظرة مختلفة في زواج الأقارب ففي بعض الولايات الأمريكية لا يسمح بزواج أولاد العم والعمة أو الخال والخالة .
وحتى نفهم هذا الموضوع فهما علميا نحاول أن نفهم أولا الأسس العلمية التي على أساسها تنتقل الأمراض الوراثية من الآباء إلي الذرية .
تتكون المنطقة في الرحم من أمشاج الذكر والأنثي وتحمل تلك الأمشاج العوامل الوراثية من كل ممن الأب والأم وهكذا تنتقل الصفات الوراثية من الآباء إلي الأبناء والأحفاد والي ماشاء الله ،وكل ذلك فى نظام متقن بديع يدل على قدرة الخالق البارئ المصور تبارك وتعالي .
ولا يتغير النظام الوراثي في الإنسان ومهما حدثت من طفرات وراثية ، فإن ذلك إن كان يغير بعض الصفات الخلقية إلا انه لا يغير مطلقا النظام الوراثي في الخلية البشرية .
والعوامل الوراثية في معظمها إما سائدة وإما منتحية .
– والعامل الوراثي السائد : له القدرة علي الظهور والتعبير عن نفسه .
–  والعامل الوراثي المتنحي : ليس له القدرة علي الظهور والتعبير عن نفسه إلا إذا أجتمع مع عامل وراثي متنح مماثل تماما .. حينئذ تظهر الصفة الوراثية التي  يحملانها معا .
– وبوجود العوامل الوراثية السائدة والمتنحية التي تحمل الصفات الوراثية ، تظهر تلك الصفات في الأبناء فمنهم من يشبه الأم ومنهم من يشبه الأب أو العم أو الخال وروي البخاري والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال : ” لم يكن أحد منهم أشبه برسول الله r  من الحسن بن علي .
وأننا إذا افترضنا وجود مرض وراثي في أحد الوالدين ينقله عامل وراثي سائد فإنه يعبر عن نفسه في نسبة معينة من الأبناء ولا يظهر في الآخرين أما في حالة العوامل الوراثية المتنحية فلا بد أن تكون موجودة في كل من الأب والأم معا ، ليظهر المرض فى نسبة معينة من الأبناء ولا يظهر في الآخرين ، يظهر فيمن يجتمع لديهم عاملان وراثيان متنحيان ولا يظهر فيمن ينتقل اليه عامل وراثي متنح واحد ، وليست العوامل الوراثية السائدة أو المتنحية ، تحمل صفات غير مرغوب فيها أو مراضا فحسب فقد تحمل صفات مرغوبا فيها أيضا .
إن العوامل الوراثية المتنحية تجتمع في الأقارب في الجين الأول بنسبة 1 :8 وتقل هذه النسبة في غير الأقارب فإذا كان هذا الجين في المجتمع بنسبة :1000 فإن احتمال تواجد هذا الجين في أحد الزوجين 1:500 وإذا كان فى المجتمع بنسبة 1 :100 فان احتمال وجود  هذا الجين فى أجد الزوجين 1 : 50 وفي كلتا الحالتين نجد أن نسبة تواجد الجين المتنحي في الأقرباء ( بنت العم أو العمة والخال والخالة ) يكون ثابتا 1 :8 وهذا يبين خطورة زواج الأقارب في ظهور الأمراض الوراثية وخاصة النادرة منها فإذا استمر الزواج بالأقارب جيلا بعد فإن العوامل الوراثية المتنحية تجتمع فيهم أكثر مما هي موجودة في المجتمع من حولهم فإن الرجل إذا تزوج بابنة عمه أو ابنة خاله وكان كل منهما يحمل نفس العامل الوراثي المتنحي لصفة صحية أو مرضية فإن 25 % من أولادهما ستظهر عليهم تلك الصفة و 50% منهم يحملون العامل الوراثي المتنحي و 25% منهم لا يحملونه .
أما إذا كانت درجة القرابة بعيدة فإن احتمال تواجد الجينات المماثلة أقل وبالتالي يكون احتمال حدوث المرض في الذرية أقل من هذه النسبة كأن يكون مثلا 1 : 16 والعكس صحيح إذا كانت درجة القرابة بين الزوجين أقرب كما في بعض المجتمعات الهندية التي تسمح بزواج الرجل من بنت أخيه أو أخته فإن اجتمال تواجد الجينات المماثلة يكون أكثر من 1 – أي 1 ك 4 وهذا النوع من الزواج ممنوع في الإسلام .
ولا ينصح كثير من علماء الوراثة بالزواج من الأقارب على اعتقاد أن زواج الأقارب ينقل الأمراض الوراثية من الآباء إلى الذرية أكثر مما هو فى زواج الأباعد ولقد تحمس كثير من العلماء لهذا الرأي وجاء بأحاديث أسندوها إلي النبي محمد r تنصح بزواج الأباعد .
مثل الحديث القائل :”  تحيروا لنطفكم فإن العرق دساس ”
والحديث القائل : ”  أغتروا لا تضووا ” أي تزوجوا الأغراب حتى لا تضعف الذرية ” .
فهل هذا الرأي صحيح علميا ؟ وهل هذه الأحاديث قالها النبي محمد : حقا ؟ .
إذا نظر أي عالم نظرية متأنية في أبعاد هذا الموضوع لوجد أن القول ” بأن زواج الأقارب يعطي الفرصة لزيادة الأمراض الوراثية في الذرية ” ليس قولا صحيحا في كل الأحوال  .. قد يكون صحيحا في حالات معينة .. ولكنه ليس صحيحا في كل الحالات وبالتالي لا ينبغي أن يكون قانونا عاما أو قادة عامة .. آن الأوان أن ننظر لها نظرة علمية أثر دقة كذلك نقول إن الأحاديث التي ساقها البعض ليدلل على النصح بعدم زواج الأقارب .. هذه الاحاديث لم تثبت صحة إسنادها الى النبي محمد r .
وهناك بعض الحقائق الأساسية في هذا الموضوع : –

1- زيادة نسبة ظهور الأمراض الوراثية في الذرية الناتجة من العوامل الوراثية المتنحية من كلا الأبوين .. ليست معتمدة على زواج الأقارب في كل الأحوال ولكنها تعتمد أساسا على مدى انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي بين أفراد المجتمع ككل .

2- فإذا كان منتشرا بنسبة أكثر من 1 : 8 في المجتمع فإن زواج الأباعد لا يكون ضمانا لإنجاب أصحاء وراثيا .
نفهم من ذلك أن ظهور بعض الأمراض الوراثية في الذرية في المجتمعا التي تنتشر بين أفرادها العوامل الوراثية المرضية المتنحية انتشارا  نحو 1 :8 تتساوى نسبة ظهورها في الذرية في زواج الأقارب وزواج الأباعد على سواء .
وهناك فرض آخر إذا كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضي المتنحي في المجتمع أكثر من 12 % وكانت أسرة في هذا المجتمع نقية وراثيا في هذه الحالة فإن الزواج بين الأقارب في هذه الأسرة أفضل كثيرا وأكثر ضمانا من زواج الأباعد .
ومن أمثلة تلك الأمراض – مرض الأنيميا المنجلية :-
إذا كان العامل الوراثي المتنحي منحصرا في أفراد أسرة معينة أكثر مما هو في أفراد المجتمع من حولهم فإن زواج الأباعد يكون أفضل من  زواج الأقارب .. أما إذا كان العكس هو الصحيح وكان أفراد الأسرة أنقياء وراثيا وأفراد المجتمع من حولهم ينتشر فيهم العامل الوراثي المتنحي ففي هذه الحالة يكون زواج الأقارب أكثر ضمانا وأمنا من زواج الأباعد فمثلا في بعض مناطق إيطاليا وصقلية يوجد العامل الوراثي المتنحي لمرض الأنيميا المنجلية منتشرا في أفراد المجتمع بنسبة تصل 10% والنسبة أعلى في مجتمعات أخرى مثل بعض مناطق كينيا حيث تصل النسبة إلى 40% في أفراد المجتمع فإذا افترضنا أن أسرة هاجرت إلي هناك وكان أفرادها أنقياء وراثيا من هذا العامل الوراثي .. أفلا يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد ؟ .
مثل آخر مرضى الفاقة البحرية .. ويوجد هذا المرض في منطقة كبيرة من العالم تمتد من جنوب شرق آسيا وغربا حتى جنوب أوروبا وتشمل كل جنوب شرق أسيا والهند والباكستان وإيران وأفغانستان وشمال الجزيرة العربية وكل حوض البحر الأبيض المتوسط .
وفى بعض مناطق إيطاليا قد تصل نسبة انتشار هذا العامل الوراثي المرضي المتنحي الى 20% فلو عاشت أسرة نقية وراثيا في هذا المجتمع فإن زواج الأقارب يكون أفضل من زواج الأباعد .
2- هناك من الأمراض الوراثية الناتجة من عاملين وراثيين متنحيين أيضا ويندر وجودهما في أي مجتمع .. في هذه الحالة فإن زواج الأقارب قد يسبب ذرية بها تلك الأمراض أكثر من زواج الأباعد فكلما كانت نسبة انتشار العامل الوراثي المرضى المتنحي قليلة في المجتمع كلما كان زواج الأقارب يسبب نسبة أعلى في تلك الأمراض الوراثية المحدودة والمعينة من زواج الأباعد .
3- إن ظهور الأمراض الوراثية المتسببة من جينات متنحية في زواج الأقارب ليست بالكثرة التي يظنها البعض فقد أظهرت الدراسات التي أجريت بالكويت أن ظهور تلك الأمراض الوراثية ذات الجينات المتنحية كان أقل متوقعا وفي القبائل العربية التي يتحتم فيها أن يتزوج الرجل من ابنة عمه لم تظهر في تلك القبائل نسبة غير عادية من المعوقين أو المرضي .

4- كثير من الأمراض الوراثية تنتقل بعامل وراثي سائد واحد من الأب أو الأم فهي تحدث في زواج الأقارب والأباعد على سواء ومن أمثلة هذه الأمراض .

نقص التعظيم الغضروفي
مرض الحويصلات المتعددة بالكلية
مرض زيادة الحديد بالدم
مرض عدم اكتمال التكون العظمي
التليف ذو الحدبات
تناذر ديوبين جونسون
مرض ضمور عضلات الوجه والكتفين
مرض جيلبرت
أمراض الدم الوراثية
كوريا هند نجكتون أوداء الرقص
تناذر مارفان
مرض التوتر العضلي الخلقي
داء الأورام العصبية اليفية
مرض تعدد الأورام البوليبية بالقولون
داء الغرفيرين الحاد المتقطع

5- وهناك أمراض وراثية ليس لها علاقة بزواج الأقارب مثلا الأمراض الناتجة من اختلاف عامل روسوس بين الزوجين والطفل المغولي ومرض تيرنر ومرض كلا ينفلتر وأمراض أخرى .

6- وهناك أمراض وراثية مثل مرض النزف الدموي ( الهيموفيليا ) ومرض عمى الألوان هي أمراض وراثية تحدث في الذرية ومرتبطة بالجنس بمعنى أن الأم سواء كانت قريبة للزوج أو غير قريبة -لا فرق تحمل المرض ولكنها لا تعاني منه وتنقله الى اولادها الذكور فيظهر عليهم المرض أما بناته فيحملن المرض ولا يظهر عليهن وهذه الامراض ايضا ممكن الوقاية منها بالتخير الوراثي ونعنى به الاستشارة الوراثية قبل الزواج وتوجد مجموعة من الامراض التي تظهر نتيجة تجمع مجموعة من العوامل الوراثية ويطلق على هذه المجموعة اسم الامراض المتعددة الأسباب مثل مرض السكر وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة وتصلب الشرايين .. الخ .

6- وترتفع نسبة ظهور هذه الامراض فى الذرية الناتجة من زواج الأقارب المرضى بهذه الامراض على نسبتها في زواج الاباعد غير المرضى بها فاذا كان بالأسرة مرض وراثي ما ناتج من جينات متنحية فلا يفضل زواج الأقارب على زواج الأباعد في هذه الحالات أكثر أمنا .
وقد أمرنا رسول الله r بالتخير بأي طريقة متاحة كما قال r ” تخيروا لنطفكم ” ومعلوم أن أن أحاديث الرسول r رسالة لبني البشر في كل زمان ومكان فقوله r لنا الآن ” تخيروا لنطفكم ” نفهم منه التخير في الشكل وفي الدين وفي الحسب والاستشارة الوراثية أيضا قول رسول الله r تخيروا لنطفكم إشارة نفهم منها أن الاستشارة الوراثية في عصرنا الحاضر واجبة شرعا فكما أن الاستشارة الوراثية تقي الذرية من الأمراض الوراثية التي تنتقل في زواج الأقارب فهي تقي الذرية من الأمراض الوراثية التى تنتقل فى زواج الأباعد أيضا .
وهكذا ففي وجود الاستشارة الوراثية لا نخشى على الذرية سواء في زواج الأقارب أو زواج الأباعد .
7- لا يجوز أن ننسى أن زواج الأقارب له جوانب إيجابية :
أ – اذا كان بالأسرة عوامل وراثية مرغوبة ليست في غيرها من الأسر مثل صفات الجمال والذكاء والقوة .. أو طول العمر وغيرها ، حينئذ يكون زواج الأقارب أفضل من زواج الأباعد شريطة ألا يستمر الزواج بين الأقارب جيلا حتى لا تتحول الأسر إلى مجتمعات صغيرة مغلقة وهو ماثبت وراثيا أنه مضر .
وهكذا تتساوى الاحتمالات فى زواج الأقارب والأباعد في هذه الحالات وسواء كان هذا أو ذاك فالرسول  r أمرنا بالتخير إذ قال ” تخيروا لنطفكم ” والتخير في عصرنا الحاضر أساسه الاستشارة الوراثية
بالإضافة إلى التخير في الصفات والأمور الأخرى لقد ساق الكثير من العلماء نسبوها إلى النبي محمد r تحذر من زواج الأقارب وتشجع على زواج الأباعد .
ومن هذه الأحاديث القول ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) ولم ونجد هذا الحديث في كل كتب الحديث ولا في كتب الغريب ولا في الأحاديث الغريبة والتي تجري مجرى الأمثال ولا في كتاب المقاصد  الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة علي الألسنة لللسخاوى المتوفى سنة 905 هـ ولا في كتاب كشف الخفاء للعجلوني .
ونستطيع أن نقول إن الحديث ( تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس ) لم نجده موصول السند أو مرويا عن النبي r وكذلك الحديث ( اغتربوا لا تضووا ) لم نجده ايضا في كتب الحديث جميعها وقد يكون من كلام عمرو بن الخطاب رضي الله عنه أو لأحد الصحابة ) مما يكون قد تعلموه من رسول الله    r .
فمن الممكن الاحتفاظ بالجينات الصحية الممتازة بين أفراد العائلة لجيل أو اثنين أم اذا استمر زواج الأقارب لا جيال متعاقبة فإنه لا يمكن تجنب الامراض التي قد تحدث نتيجة العوامل المتعددة كم لا يمكن تجنب تواجد الجينات المتنحية المميتة مما يؤدى الى وفاة بعض الأبناء .
ب – الجانب الإيجابي الأخر فى زواج الأقارب هو عدم التضحية بجيل من أجل جيل آخر ولشرح هذه النقطة نفترض أن في مجتمع ما صار الزواج بين أقرباء فقط فى هذه الحالة نجد أن نسبة تواجد الجينات المرضية في هذا المجتمع ستزداد في ذرية هذا الجيل نتيجة عدم التخلص من هذه الجينات المرضية اذ أن التقاءها ف حالة مزدوجة أم نادر الحدوث والنتيجة أنه بمرور الأجيال سترتفع نسبة تواجد هذه الجينات المرضية في المجتمع وهذا يودي إلى زيادة مطرودة في ظهور الامراض الوراثية المحكومة بهذه الجينات في الأجيال القادمة مثل مرض تليف البنكرياس نخرج من هذا بنتيجة هامة وهي أن زواج الأقارب قد يضحي بالجيل الحاضر من أجل الأجيال القادمة ,ان زواج الأباعد قد يضحى بالأجيال القادمة من أجل الجيل الحاضر  وهكذا نجد في النهاية حتى فى الامراض المحكومة بجينات متنحية لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب .
أما الأحاديث النبوية التي وجدناها في كتب الحديث في موضوع الزواج فلم نجد فيها أي حديث نبوي شريف يحذر من زواج الأقارب ولكن الحديث أمر بالاحتياط وذلك باختيار الصفات الخلقية والخلقية قبل الزواج وهذا يتحقق في عصرنا الحاضر بفحص المرشحين للزواج في عيادات الاستشارات الوراثية ضمانا لحسن الاختيار .
وهذا يوافق ما جاء في الحديث النبوى الذى رواه البخاري وصححه الحاكم في المستدرك ورواه البيهقي عن السيدة عائشة رضي الله عنها مرفوعا : ( تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء و أنكحوا إليهم ) .
نلاحظ ن الحديث النبوى لم يذكر لا زواج الاقارب أو الاباعد ولكن على الرجل أو المرأة أن تتخير شريك حياتها في الصفات الخلقية والخلقية قبل الزواج .
وروى الترمذى عن أبي حاتم المزني رضي الله عنه قال النبي  r إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه ” .
وفضلا عن كل ذلك فهناك دليل أقوى فلو كان زواج الأقارب غير مرغوب فيه ما تزوج النبي r من ابنة عمته أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش بن رئاب وهي من بنى أسد خديمة المضري وأمها عمة الرسول r أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم فهي عمة شقيقة للرسول r كما جاء فى كتاب ” الإصابة في تميز الصحابة ” لابن جحر العسقلاني وأهم من كل هذه الأدلة على أن زواج الأقارب كقانون عام لا شئ  عليه هو ماجاء فى القرآن الكريم في قوله تعالى } يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللائى أتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك { الاحزاب / 50 ) .
ولوكان في زواج الأقارب ضرر أكيد ما أحله الله تعالى لرسول وأشار اليه صراحة في الزواج من بنات عمه وبنات عماته وبنات خاله وبنات خالاته .
وقد ذكرنا من قبل أن الاحتمال العلمي لنقل القلة من الأمراض الرواثية الناتجة من جينات متنحية عن طريق زواج الأقارب يقع في حالة واحدة ، وهى أن يكون أفراد المجتمع أنقياء وراثيا وأفراد الأسرة غير أنقياء وراثيا .
وحتى فى مثل هذه الحالات فإن التخير الوراثي لدى عيادات الاستشارات الوراثية يمنع أي ضرر وراثي محتمل في زواج الأقارب كما قال رسول الله    r ” تخيروا لنطفكم وأنكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم ” .
هذا ما أردنا  أن نقوله فى موضوع زواج الأقارب ونرجو أن نكون قد ساهمنا في تصحيح مفهوم علمي غير صحيح في هذا الموضوع وفي موضوع الأحاديث النبوية الصحيحة في هذا الموضوع أيضا .

المصدر:اسلامايست

 

اغتــربـوا لا تضــووا

دكتور/عمر الألفي
الولايات المتحدة


في الأثر الإسلامي ( اغتربوا لا تضووا) معان عميقة أيدها العلم الحديث . فهناك قاعدتان من قواعد علم الوراثة الكثيرة تشيران مباشرة إلى معنى هذا الحديث .

ونبدأ قبل ذكر هاتين القاعدتين بمقدمة مختصرة عن الأمراض الوراثية في الإنسان :

يبدأ تكوين الجنين بالتحام خلية ذكريه ( حيوان منوي ) مع خلية أنثوية ( البويضة) . كل خلية بها 23  من الصبغيات ( كروموزومات ) لكل منها شكل مميز ويحمل عددا كبيرا من المورثات (جينات ) لا يحملها غيره .بالتحام الخليتين يبدأ الجنين وفيه 23 زوجا (46) من هذه الصبغات ، نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم ،  وبالتالي عشرات الآلاف من المورثات ، في أزواج ،  مجموعة منها وموروثة من الأب والنصف الآخر من الأم ، وبالتالي عشرات الآلف من المورثات في أزواج ، مجموعة منها مورثة من الأب ،ومجموعة مماثلة مورثة من الأم.

الصفات الوراثية في الجنين إذن يحدد كلا منها اثنان من  المورثات أحدهما من الأب والآخر من الأم .قد يحدث المرض الوراثي إذا كان هناك خلل في تركيب واحد أو أكثر من هذه المورثات . فإذا حدث الخلل نتيجة خلل بمورث واحد وليس بالاثنين معا ،  سمى المرض سائدا ، أما إذا لم يحدث المرض إلا بوجود خلل بكلا المورثين يحددان الصفة المعنية ،  سمى المرض ( مسودا)
في الأمراض المسودة إذن ، لا بد أن يرث الجنين مورثا معيبا من الأب ومثله تماما من الأم احتمالا أن يكون الأب حاملا لمورث معيب،  وتكون الأم  لنفس هذا المورث المعيب تماما ، يتزايد إذا كان الأب والأم من نفس العائلة .

يشارك كل إنسان أخاه أو أخته في نصف عدد المورثات التي يحملها ويشارك أعمامه وأخواله في 4/1 عدد المورثات . ويشارك أبناء وبنات عمه  أو خاله في 8/1 عدد المورثات على هذا كان هناك مورث معيب في أحد الجدود فالاحتمال كبير في أن يشارك الإنسان أبناء العم أو أبناء الخال في هذا المورث فاحتمال أن يبدأ الجنين وبه مرض وراثي مسود ،  يزيد إذن بين زواج الأقارب عنه بين زواج الأباعد.
بعد هذه المقدمة ،  نعود إلى  قاعدتي علم الوراثة.
الأولى: إذا تباعد مصدر المورثات في التزواج ، قوى النتاج . وقد استنبط هذه القواعد من نتائج تجارب التزواج بين الحيوانات ،  وكذلك من تجارب تلقيح النبات .
ثانيا : إذا حمل كل من الأب والأم  نفس المورث المعيب ، سمح هذا للمريض الوراثي المسود إن يظهر في النتاج باحتمال واحد من أربعة في كل مناسبة . واحتمال أن يحمل كل من الأب والأم نفس المورث المعيب يتزايد كلما قربت درجة القرابة بينهما .
زواج الأقارب يحدث في نسبة كبيرة من الزيجات في البلاد الإسلامية . وفي دراسات متعددة سبق أن أجريت بدولة الكويت تبين أن:-
نسبة الزواج بين أبناء وبنات الأعمام أو الأخوال تزيد عن 25% من جميع الزيجات .
نسبة الزواج بين الأقارب بصفة عام تزيد عن 40% من جميع الزيجات.
نسبة حدوث (الولادات المبكرة) أعلى في زيجات الأقارب (89ر9% )عنها في زيجات الأباعد عن (46ر7%) .
متوسط وزن المولود في زيجات الأقارب (3274جم) أقل من متوسط الوزن في زيجات الأباعد (3326جم)
نسبة حدوث بعض الأمراض الوراثية في زيجات الأقارب أعلى منها في زيجات الأباعد .

المراجع REFERENCES:
1. O.S. EL-ALFI, et al, J. Kwt. Med. Assoc., 3,227(1969)
2.O.S. EL-ALFI, et al , J. Kwt. Med. Assoc., 2,99(1969)
3.O.S. EL-ALFI, et al . Am.J. Hum. Genet., 32,477(1980)

المصدر:اسلاميست

 

الوراثة و القرابة

لقاء صحفي مع الدكتورة العريض

أعدت الدكتورة شيخة سالم العريض رئيسة قسم الأمراض الوراثية بمركز السلمانية الطبي بدولة البحرين الشقيقة بحثاً طبياً متكاملاً هو الأول من نوعه يناقش زواج الأقارب وانعكاساته الصحية والدكتورة شيخة العريض حاصلة على بكالوريوس طب وجراحة من (القاهرة) والماجستيرفي الوراثة البشرية من (لندن) والدكتوراه في الوراثة من جامعة ابردني (اسكتلندا) ولها أكثر من ثلاثين بحثا علميا.
وقد التقت الجزيرة الدكتورة العريض والتي تحدثت عن هذا البحث العلمي حول زواج الأقارب وانعكاساته الصحية موضحة بأن المجتمعات تختلف في نظرتها إلى زواج الاقارب بين مؤيد ومحرم فبينما تحرمه أغلب المجتمعات الغربية تفضله أغلب المجتمعات الشرقية وهو أمر شائع في مجتمعنا ومنتشر في مناطق كثيرة خاصة الدول الاسلامية.
كما أن جزءاً من سكان العالم يفضلون زواج الاقارب وطريقة التزاوج هذه لابد ان يكون لها فائدة تسبب بقاءها طوال هذه الفترة على الرغم من العلم بأنها قد تتسبب في امراض الاطفال,هذا النوع من الزواج ماله وما عليه؟ ما هي مزاياه وما هي المشاكل التي قد تنتج عنه؟

هذا ما سنناقشه مع الدكتورة العريض في هذا اللقاء:

تعرف الدكتورة شيخة الأقارب البداية بأنهم الاشخاص الذين يشتركون في جد واحد سواء أكان هذا الجد قريباً أو بعيداً, والجد المشترك قد يكون من ناحية الأب أو من ناحية الأم، وتكون صلة القرابة كبيرة بين: الاخوان والأخوات وكذلك العمات والخالات وأولاد الأخت وأولاد الأخ، وأولاد العمومة من الدرجة الأولى مثل أولاد وبنات العم، أولاد وبنات الخال، اولاد وبنات الخالة، أولاد وبنات العمة,أما الأقارب الابعد والذين يشتركون في جد واحد بعيد أبعد من جيلين او ثلاثة اجيال فتكون درجة القرابة بعيدة ويكون تأثيره الوراثي ضعيفاً
وزواج الأقارب لا يعني دائما ان هناك خطراً على الاولاد من الامراض الوراثية, إذ إن بعض الناس يعتقدون ان زواج الاقارب لابد ان يؤدي إلى اطفال مشوهين او مرضى بأمراض وراثية, وان جميع الامراض الوراثية سببها زواج الاقارب، وهذا خطأ شائع فقد يكون لزواج الاقارب فائدة في بعض الحالات إذا وجدت صفات وراثية جيدة بالعائلة مثل الذكاء، الجمال وغيرها من الصفات المرغوبة ولكن قد يكون له اثار سيئة إذا كانت هناك امراض وراثية تتناقلها العائلة
ونجد ان كل المجتمعات لديها تحفظ على الزواج والعلاقات الجنسية بين الاقارب من الدرجة الأولى وهم (الآباء والأبناء) والكثير من المجتمعات ومنها معظم المجتمعات الغربية تمنع الزواج من الأقارب، وترجع الاسباب الى ان الزواج من الاقارب يزيد من احتمال انجاب اطفال غير طبيعيين ولكن قد يكون السبب الرئيسي في الحقيقة هو سبب اجتماعي وتقليدي.
وبينما في المجتمعات الاوروبية الغربية تكون نسبة الزواج بين الاقارب هي 0,5% وإذا رغب طرف بالزواج من أقاربه فلابد من زيارة طبيب الامراض الوراثية.
وفي أغلب الدول الاسلامية والدول العربية وبخاصة دول الخليج، تفضل الكثير من العائلات هذا الزواج وتتراوح نسبة زواج الاقارب بين 20 50% كما يكون حوالي 50% من الافراد متزوجين من أقاربهم، والنسبة العظمى من الباقين يكونون نتاجا لزواج اقارب وعندما يولد طفل مريض او غير طبيعي في العائلة يبادر الابوان بالسؤال عن سبب حدوث هذه المأساة وهي بسبب القرابة بينهم, الكثير من العاملين في مجال الصحة يعزون ولادة اي طفل غير طبيعي او مريض الى القرابة بين الزوجين، وهذا لا يكون صحيحا في بعض الحالات ويجب ان نتجنب التعليقات السلبية التي قد تؤذي جميع افراد العائلة الكبيرة وتزعزع استقرار هذه العائلات التي تتوقع المساعدة والمساندة فالنظرة الى زواج الاقارب يجب ان تكون علمية اكثر وبعيدة عن التحيز.
ففي المجتمعات التي تطبق زواج الاقارب يرون ان فوائده اكثر بكثير من سلبياته، أما في المجتمعات التي تمنعه فلا يرون له أية ايجابيات بل يرون انه مليء بالسلبيات، وحتى يستجيب الناس للنصيحة يجب ان نبتعد عن انتقاد اسلوبهم في الحياة، خاصة عندما يرون ان أغلبية اولادهم الناتجين من زواج الاقارب بحالة سليمة، ولا يعانون من أية امراض وراثية، وان العائلات التي لا تتزوج من اقاربها قد تنتج ابناء بهم امراض وراثية إذ قد يكون سبب انجاب اطفال مرضى مشاكل حدثت اثناء الحمل او اثناء الولادة أو الاصابة بالالتهابات او غيرها.

* كيف ترين من يؤيدون زواج الأقارب؟
ان الذين يؤيدون زواج الاقارب يرون ان محاولة محاربة هذا الزواج، قد ينظر إليها على انها معارضة للعادات والتقاليد خاصة ان اغلب المعلومات المتوفرة عن زواج الاقارب وتأثيراته الوراثية على الابناء جاء اغلبها من دراسات في المجتمعات الاوروبية, ولكي نتوصل إلى الاقناع العلمي الهادىء بالمؤثرات الحقيقية الناتجة من هذا الزواج وحتى نتمكن من تكوين نظرة واقعية محايدة للتأثير الحقيقي لزواج الاقارب لابد من جمع ودراسة الكثير من المعلومات الناقصة مثل دراسة نسبة زواج الاقارب في المجتمعات التي تسمح به والدور الاجتماعي الذي لعبه ولازال يلعبه هذا الزواج وطبيعة التأثير الحقيقي لزواج الاقارب من الناحية الوراثية الطرق المتوفرة للتقليل من التأثير السلبي لهذا الزواج والوسائل المناسبة للتعامل مع العائلات المعرضة لانجاب اطفال مرضى.

على مستوى العالم
* ما مدى انتشار زواج الأقارب في العالم؟
في دراسة للدكتور Bittle (1990) توصل إلى ان 20% من سكان العالم يحبذون زواج الاقارب وان 6,5% من الازواج في العالم هم أقارب وأن 8,4% من المواليد يولدون لأبوين بينهما قرابة في حين ان النسبة الحقيقية لابد ان تكون اكبر بكثير حيث لا توجد احصائيات في الكثير من المجتمعات الافريقية والآسيوية والصين وغيرها، فالزواج بين الاقارب منتشر بين الاهالي الاصليين والمجتمعات القبلية منذ القدم.
ومن خلال دراسة قمت بها في مجتمع البحرين والتي شملت 1000 عائلة من الجيل السابق (الآباء) و500 عائلة اخرى وجد ان نسبة زواج الاقارب في الجيل الحالي 40% وفي جيل الآباء كانت نسبته 45% ووجد ان زواج ابناء العمومة من الدرجة الاولى نسبته في الجيل الحالي 21%، ونسبته في جيل الآباء 24,5% أما أبناء العمومة من الدرجة الثانية فكانت نسبته متقاربة 8% تقريبا, والاقارب الأبعد 8% ايضا,وقد أجابت السيدات عن رأيهن في هذا الزواج وأبدت 53% منهن الموافقة عليه و45,5% منهن ذكرن انهن سوف ينصحن ابناءهن وبناتهن بالزواج من الأقارب، و62% منهن ذكرن انهن يعلمن ان هذا الزواج قد يتسبب في انجاب اطفال مرضى، و47% منهن ذكرن انه قد يتسبب في حدوث مشاكل عائلية واجتماعية، و42% من عائلات السيدات كان فيها امراض وراثية مختلفة منها 19% مرض فقر الدم المنجلي 1,8% ثلاسيميا 17% نقص الخميرة، 10% أمراض اخرى مثل السكري وارتفاع الضغط.
في هذه الدراسة نلاحظ ارتفاع نسبة الزواج بين الاقارب سواء في الجيل الحالي 40% أو الجيل السابق 45% ولكن هناك اختلاف واضح بين الجيلين وهو مؤشر على انه قد بدأ ينخفض, أما أولاد العمومة في الدرجة الاولى وهم أكثر الفئات المعرضة لانجاب اطفال مرضى بسبب القرابة الشديدة بينهم فكانت نسبته في الجيل الحالي 21% والجيل السابق 24% فهناك انخفاض تدريجي ايضا.
أما في درجات القرابة الابعد فيعتبر التأثير الوراثي قليل ويقارب النسبة للمتزوجين من غير الاقارب.

أساسيات الوراثة
* ما تأثير الوراثة أو التأثير الوراثي؟
تجيب الدكتورة شيخة العريض ان الانسان عرف تأثير الوراثة منذ القدم، وقد درست القواعد التي تحدد كيفية انتقال الصفات التي تميز الفرد من الاباء الى الابناء وحيث ان كل صفة تعتمد على وجود عوامل وراثية هي الجينات، تنتقل بدون تغيير من خلية الى اخرى من خلال عملية الانقسام غير المباشر الذي يحدث في الخلايا الجسدية, كما تنفصل هذه الجينات ويعاد اتحادها بتباديل وتوافيق مختلفة عن بعضها اثناء الانقسام الاختزالي عند تكوين الامشاج وفي بداية تكوين الجنين.
وتتواجد هذه الجينات في النواة محمولة على الصبغيات ويتكون الجنين من اتحاد مشيج من الاب ومشيج من الام محتويا على جميع الجينات التي تأتي من الاب والام معا.
وفي خلية جسم الانسان هناك 46 صبغيا متواجدة على هيئة ازواج (23 زوجاً) تنقسم إلى مجموعتين، مجموعة الصبغيات الذاتية وعددها 22 زوجا تكون متشابهة ومتماثلة تماما في الذكر والأنثى وهي المسؤولة عن الصفات الجسدية مثل طول القامة أو لون الشعر، والمجموعة الاخرى هي مجموعة الصبغيات الجنسية وتكون الصبغيات مسؤولة عن الصفات الجنسية.
وتحتوي كل من البويضة والحيوان المنوي على 23 صبغيا، وبعد الاخصاب فإن البويضة الملقحة تحتوي على 46 صبغيا وتنتقل العوامل الوراثية من خلية الى خلية اخرى اثناء الانقسام الخلوي، معنى ذلك ان البويضة الملقحة تحتوي على المعلومات الوراثية التي تأتي من الاب والأم، وبالتالي فإن مواصفات الابن هي خليط مما يساهم به الاب ومما تساهم به الام اي ان البرامج الوراثية موجودة منذ تكوين البويضة المخصبة، ثم تبدأ هذه الجينات الموجودة في العمل لاظهار المواصفات الخاصة بالفرد طبقا للبرنامج الموجود مسبقا.
وقد درس كيفية عمل هذه الجينات من خلال التعرف على التركيب الكيميائي للجين وهو عبارة عن حمض ريبي نووي ناقص اكسجين الذي يتمتع بجميع المواصفات اللازمة للجينات من ناحية قدرته على تكوين صورة طبق الاصل لنفسه في كل مرة تدخل الخلية في الانقسام, وعلى احتوائه على جميع المعلومات الوراثية للفرد.
ومن خلال هذه المعرفة تم التوصل إلى كيفية عمل الجين والتي تعتمد على ان هذا الجين يتحكم في تخليق البروتينات، سواء كانت هذه البروتينات عبارة عن انزيمات تساعد على اتمام تفاعلات كيميائية معينة او هرمونات او مواد بروتينية تدخل في مكونات الخلية الحية, ومن خلال التقدم في بحوث علم الوراثة التي اشتملت على النواحي الجزيئية لعمل الجين، تم التوصل إلى معرفة كيفية حدوث الطفرات وهي التغيرات المفاجئة التي تظهر على الفرد والتي عادة ما تسبب تغيرات وراثية, وقد تتضمن هذه التغيرات احداث الكثير من الامراض او التشوهات الوراثية في الانسان وتحدث هذه التغيرات اما في عدد او تركيب الصبغيات او تغيير في التركيب الكيميائي للجين.

توارث الأمراض
* كيف تتم عملية توارث الأمراض؟
كما ذكرنا فإن كل صفة يتحكم في اظهارها اما جينا واحداً أو أكثر فالكثير من الصفات يتحكم في اظهارها زوج واحد من الجينات يتواجد هذا الجين في صورتين في الطبيعة، احدهما يعرف بالجين السائد، وإذا وجد فتظهر الصفة التي يتحكم بها, اما الآخر فيعرف بالجين المتنحي ويظهر تأثيره إذ وجد مع جين متنح مثله، اما إذا وجد مع الجين السائد فإن الجين السائد يخفي تاثير الجين المتنحي، ولكن لا يلغيه، وفي هذه الحالة يعرف بأن الفرد حامل لهذه الصفة، بالاضافة إلى ان هناك الكثير من صفات يتحكم فيها اكثر من زوج من الجينات تتفاعل مع بعضها البعض ومع البيئة المحيطة، لتعطي الصورة النهائية لفعل هذه الجينات, معظم العوامل التي تورث من الوالدين سليمة وصحيحة مائة في المائة، ولكن بعضها عوامل مريضة قد تتسبب في حدوث أمراض وراثية.
وقد قسمت الامراض الوراثية حسب قوانين مندل إلى امراض متنحية وسائدة ومرتبطة بالجنس، وهناك ايضا امراض الكروموزومات والامراض المشتركة بين الوراثة والبيئة.

* ما هي الأمراض الوراثية السائدة؟
ان خطأ واحدا في جينة تعمل بطريقة سائدة لا يمكن التعويض عنه بوجود نسخة سليمة من هذه الجينة فيكون الشخص مريضا لذا من الصعب ايجاد حاملين لسمة الامراض الناجمة عن اخطاء في جينات سائدة.
في هذا النوع من الامراض يكفي ان يكون احد الوالدين مصابا ولو حتى اصابة خفيفة بالمرض لينقل المرض إلى الابناء بنسبة 50% حتى إذا لم يتزوج من اقاربه او تزوج من شخص سليم تماما لمذا لا يكون لزواج الاقارب تأثير على هذه الامراض.
ومن الأمثلة على الأمراض السائدة مرض شتاينرت: يعد من اكثر الامراض الوراثية انتشارا في دول أوروبا الشمالية خاصة في هولندا وهو مرض يصيب الاجهزة العضلية والعصبية وتبدأ عوارضه بالظهور في عمر 15 إلى 30 سنة بشكل تقلص عضلي شديد خاصة بعد الإجهاد ولا يشمل المرض الجهاز العضلي فقط، بل يصيب ايضا الجهازين الهرموني والعصبي وقد يحدث احيانا ان يصاب حامل المرض بالشلل وقد تشل عضلات الوجه ايضا، ويفقد المريض القدرة على الكلام.
أيضا مرض فرط كولسترول الدم العائلي: حيث ان للجسم في الحالة الطبيعية قدرة كافية على ابقاء نسبة مادة الكوليسترول في الدم بشكل طبيعي, ويتم ذلك بواسطة مستقبلات البروتين الشحمي ذي الكثافة المنخفضة التي تحمل الكولسترول وتزيله من الدورة الدموية، وبذلك فإن عدم وجود هذه المستقبلات يعتبر مسؤولا عن المرض الوراثي المسمى فرط كولسترول الدم, هذا المرض يؤدي إلى ارتفاع مستوى الكولسترول في الدم، ويسبب حدوث نوبات قلبية في سن صغير نسبيا وقد توصل إلى ان هذا المرض ينتقل كصفة سائدة تحددها جينة واحدة.
كذلك مرض هانتنغتون: حيث تتسبب الجينة المسؤولة عن هذا المرض في تدميرمتواصل لخلايا الدماغ، مما يؤدي الى حدوث انقباضات عضلية متواترة ومؤلمة، وكذلك عوارض تؤثر على شخصية المريض.
وليس هناك اي علاج لهذا المرض في وقتنا الحالي وتستمر عوارض المرض من فترة 10 إلى 15 سنة، وتنتهي بالموت، ولا تظهر هذه العوارض في الاطفال إلا نادراً، أما الحالة السائدة، فتظهر عوارضها بين عمر الخامسة والثلاثين والخمسين, وبسبب تأخر ظهور مرض هانتنغتون فإن بامكان حامليه الانجاب قبل معرفتهم بمرضهم، مما يؤدي إلى ولادة اطفال تزيد احتمالات اصابتهم بالمرض, ولهذا السبب فإن ممارسة عمليات التشخيص المبكر على الاجنة تعتبر من الوسائل الهامة لمحاصرة المرض.

الأمراض المرتبطة بالجنس
* ما هي الأمراض الوراثية المرتبطة بالجنس؟
العامل المريض هنا يوجد على الكروموزوم x الذي يحدد الجنس، فالانثى يحتوي جسمها على اثنين من كروموزوم x والذكر على كرومزوم x واحد والآخر كروموزوم Y فالأم تنقل العامل الوراثي المريض إلى الابناء فيصبحون مرضى وإلى البنات فيصبحن حاملات للمرض, أما الاب فينقل المرض إلى البنات فيصبحن حاملات للمرض, أما الاولاد فلا يستطيع ان ينقله اليهم والسبب انه يعطيهم كروموزوم Y ليصبحوا ذكوراً وكروموزوم Y لا يحمل اي عوامل لأمراض وراثية.
ويمثل هذا النوع من الامراض مرض نقص الخميرة G6 pd وهو مرض منتشر في البلاد العربية ولا يشتكي المصاب من اية اعراض إلا في حالة تناوله للمواد المؤثرة مثل الفول (الباقلاء) أو تناول بعض الادوية بكميات كبيرة مثل الاسبرين والسلفا وأدوية الملاريا, او استنشاق النفتالين او ارتفاع درجة الحرارة فيشتكي المصاب من فقر الدم نتيجة تكسر كريات الدم الحمراء وفي الغالب لا يحتاج المصاب إلى علاج ما دام قد اوقف تناول المادة المؤثرة وفي حالة التكسر الشديد لكريات الدم الحمراء قد يحتاج المريض إلى نقل دم.
أما الحثل العضلي: فإن جميع انواع الامراض الوراثية للحثل العضلي (ضمور العضلات) تتميز بفقدان قدرة العضلات على الحركة بشكل تدريجي يصل في نهاية الامر الى تآكلها.
ومن أهم أنواع تلك المتلازمات: المرض المعروف باسم (الحثل العضلي دوشان) حيث تشير الاحصائيات الحديثة انه من بين 3600 حالة ولادة في العالم يوجد طفل يحمل صفة هذا المرض, وتبدأ عوارض المرض بالظهور قبل السادسة من العمر, ويصبح الطفل المريض بحاجة إلى كرسي بعجلات عند بلوغه الثانية عشر من عمره ولا يعمر اكثر من عقدين, كما يصيب المرض اكثر الاطفال بحالة تخلف عقلي.
أما الامراض الناجمة عن اختلالات صبغية او كرموزومية، فيكون في عدد الكروموزومات او تركيبها وشكلها وهذه تتسبب في حدوث تغييرات كبيرة، قد تشمل مجموعة كبيرة من الجينات في آن واحد, ومن الجدير ذكره ان اغلب تلك الحالات يحدث بسبب اخطاء في عملية انقسام الخلايا الجنسية عند الزوجين، بسبب تقدم السن، أو عوامل اخرى, وبهذا الشكل فليس من الضروري ان يحمل الابوان صفة تلك الامراض عندما يولد لهما طفل مريض وهذه الامراض نادرة الحدوث وتكرارها نادر في العائلة, إلا إذا كان احد الوالدين يحمل انكسارا معينا.
وكذلك تعتبر متلازمة الصبغي x الهش من اكثر الامراض المسببة للتخلف العقلي انتشارا بعد متلازمة داون, ويظهر هذا المرض في واحد من كل 1250 2000 ذكر، وفي واحدة من كل 2400 أثنى, والجينة المسؤولة مرتبطة بالجنس، ولكن يمكن اظهار عوارضها في كلا الجنسين, وهذه الامراض لا علاقة لها بزواج الاقارب.

* ما هي أمراض التشوهات الخلقية عند المواليد؟
أمراض التشوهات الخلقية عند المواليد تتراوح اشكالها من ظهور الوحمة (وهي علامة خلقية على الوجه والجسم) إلى تشوهات مرعبة في الشكل والتكوين وهذه التشوهات تكون مسؤولة عن جزء كبير من فقد الاجنة، كما ان حوالي 35% من الاطفال حديثي الولادة يولدون بعيب خلقي عالميا.
ويمكن القول بأن السبب الاساسي في حدوث هذه التشوهات الوراثية في الجنين هو حدوث خلل او تغيير في المادة الوراثية وهذه التغيرات المفاجئة في مادة الوراثة تسمى بالطفرات.
والتشوهات الخلقية قد تكون من تأثير البيئة مثل التعرض الى مادة معينة ضارة اثناء الحمل او تأثير جينات معينة او تأثير تفاعل بين استعداد وراثي للمرض والتعرض لمواد معينة مثل نقص مادة folate.
وقد فصل العلماء اسباب هذه التشوهات وقسموها إلى اربعة انواع رئيسية:
الاسباب الوراثية وتختلف نسبتها من 30 إلى 40% من حالات التشوه.
الأسباب المتعددة والتي تتفاعل فيها عوامل البيئة والوراثة معا، وتبلغ حوالي 50 إلى 60% من الحالات.
الأسباب البيئية فقط، وتمثل حوالي 10% من مجموع الحالات ومن المطفرات البيئية الاشعاع، بعض الادوية والكيماويات، والعدوى الفيروسية وقد ارتبطت المطفرات بالسرطان، فمعظم الكيماويات المسرطنة (مسببة للسرطان) هي أيضا مطفرة (مسببة للتشوهات في الأجنة),.
والأسباب الميكانيكية والمجهولة ونسبتها ضئيلة جداً.
والكثير من الدراسات تقول ان لا علاقة مباشرة لزواج الاقارب بأغلب هذه الامراض حيث ان اغلبها يكون لاسباب مشتركة بين البيئة والوراثة, والقليل منها فقط يتكرر في العائلة ويكون لزواج الاقارب تأثير فيها.

أمراض مشتركة
* ما الأمراض المشتركة بين الوراثة والبيئة؟
الأمراض المشتركة بين الوراثة والبيئة هي الامراض التي تظهر مع التقدم في العمر او نتيجة للتعرض لظروف معينة مثل مرض السكري وارتفاع الضغط,, وهذه الامراض يمكن ان تتوارث بوجود زواج الاقارب او عدمه لذا فإن زواج الاقارب ليس له تأثير مباشر فيها.
وقد عرف منذ عدة قرون ان مرض السكر يصيب اكثر من فرد في العائلة الواحدة, معدلات الاصابة بهذا المرض عالية جدا في بعض المجتمعات، اي ان هناك عوامل بيئية واجتماعية تساعد في حدوث هذا المرض الى جانب العوامل الوراثية،ولكن بالرغم من ذلك لم يتمكن العلماء حتى الان من معرفة القوة الوراثية لهذا المرض, وهناك نوعان من مرض السكر اولها تبدأ الاعراض معه بعد سن الاربعين وهذا النوع يشمل 80% من مرضى السكر اما النوع الثاني فإن الاعراض تظهر على الاطفال.
ومن الدلائل على ان الوراثة عامل مهم في الاصابة بالمرض ما يحدث في التوائم, حيث يزيد احتمال اصابة التوأم الثاني بالمرض إذا أصيب به التوأم الاول كما وجد انه إذا كان أحد الوالدين بالاضافة إلى احد اقارب الدرجة الاولى مصابا بمرض السكر بعد سن الاربعين فإن احتمالات اصابة الانجال تكون عالية, كذلك يكون الجنين معرضا للاصابة بالمرض إذا كانت الام مريضة وكان وزنه عند الولادة مرتفعا.
ونتساءل كيف يستطيع زواج ان يتسبب في امراض وراثية, حيث ان كل واحد منا مهما كان صحيحا معافى لابد ان يحمل العديد من العوامل الوراثية المريضة (من 5 8) عامل وراثي مريض لأمراض معينة لا نعرف عنها وقد لا تخطر لنا على بال, وكلها امراض نادرة الحدوث.
ويشترك الوالدان مع ابنائهم وكذلك الاخوان في نصف الجينات,, وأبناء العمومة مع الدرجة الاولى يشتركون في 1 8 الجينات وأبناء العمومة من الدرجة الثانية يشتركون في 1/64 من الجينات, وأبناء العمومة من الدرجة الثالثة (الاجداد أولاد عم) يشتركون في 1 128 من الجينات, وبالتالي فإن احتمال حمل نفس الجين المريض مثل الزوج القريب يقل كلما تباعدت القرابة.
وفي الغالب يكون العامل الوراثي المريض عند الشخص مختلف عن العامل الوراثي المريض عند شريك حياته ومن النادر ان يلتقي شخصان يحملان نفس العامل الوراثي المريض لنفس المرض, وهنا يحدث ان ينتج طفل مصاب.

كما أن بعض هذه الأمراض يوجد لها فحص يحدد العامل الوراثي للمرض ولكن الكثير منها لا يوجد له هذا الفحص اي من غير الممكن اكتشاف الحاملين للمرض.
فإذا كان الزوجان من عائلة واحدة فهناك احتمال ان يكونا قد ورثا العامل الوراثي المريض من نفس الجد إذا كان هناك مرض وراثي تتوارثه العائلة, وهنا نستعرض بعض العائلات الناتجة عن زواج الاقارب.
العائلة الأولى: لا يوجد مرض وراثي في العائلة لذا لا يوجد خطر من زواج ابناء العمومة.
العائلة الثانية: اولاد عمومة، وووجد مرض وراثي في العائلة ولكن الزوجان لا يحملان العامل الوراثي المريض لذا يوجد خطر على الابناء.
العائلة الثالثة: أولاد عمومة، ويوجد مرض وراثي في العائلة ولكن احدهما فقط يحمل العامل الوراثي المريض والآخر لا يحمله فلا يوجد خطر على الابناء.
العائلة الرابعة: أولاد عمومة يوجد مرض وراثي في العائلة والطرفان يحملان العامل الوراثي المريض فهنا يوجد خطر على الابناء للاصابة بهذا المرض.
اي انه حتى إذا كان هناك مرض وراثي في العائلة فهذا لا يعني ان كلا الزوجين يجب ان يكونا حاملين للعامل الوراثي المريض, فقد وجد ان احتمال ان يكون اولاد العمومة من الدرجة الاولى حاملين لنفس العامل الوراثي هي 1 8 إلى 12,5%.
ونرى ايضا ان في اي زواج حتى إن لم يكن هناك قرابة فإن الاحتمال لكل حمل للزوجة في انجاب طفل غير طبيعي هو 2 3% اي ان احتمال انجاب اطفال غير طبيعيين او مرضى موجود حتى في حالة زواج غير الاقارب.
التفسيرات النظرية
إن زواج الاقارب إذا كان يمارس بصورة شائعة بين السكان ولمدة طويلة تاريخيا فليس من المحتمل ان يزيد بل إنه قد يقلل انتشار الجين المريض, ففي حالة الزواج من غير الاقارب تطبق قاعدة )p2 + 20q + q2 = 1 W.B( ولكن هذه القاعدة لا يمكن تطبيقها في مجتمع يكون فيه زواج الاقارب شائعا، حيث تزيد هذه العلاقة من الاشخاص الانقياء )p2( سواء المرضى او السليمين وتقلل الخليط )pq( فمثلا يوجد في افغانستان وباكستان الكثير من الاطفال ذوو العيون الزرقاء بسبب الزواج من الاقارب ولكن قد تتركز الصفات المرضية ايضا, لذا فإنه في هذه المجتمعات التي تطبق زواج الاقارب يزيد نسبة الاطفال المصابين بأمراض وراثية متنحية مثل الثلاسيميا اكثر من نسبة الاطفال الخليط السليمين, كما يكثر فيها التشوهات الخلقية الشديدة، ووفيات الاطفال بعد الولادة والأمراض النادرة ويعتمد على نسبة انتشار المرض في المجتمع وحقيقة ان كل شخص يحمل العديد من الجينات المريضة لكن النسبة تختلف من مجتمع إلى آخر, فمثلا وجد علماء الوراثة انه إذا حمل كل شخص عاملا وراثيا مريضا واحدا، وكان 50% من الزواجات بين اقارب فإن 1,6% من الاطفال سوف يكونون مرضى فإذا حمل كل واحد 2 أو 3 أو 4 عوامل وراثية مريضة فإن النسبة تزيد 3,1%، 4,7% و6,2%.
نظرية اخرى تقول انه في المجتمعات التي تطبق زواج الاقارب فإن نسبة الجينات المريضة يجب ان تقل مع الوقت حيث ان نظام التزواج هذا يساعد على الاختيار ضد هذا المرض, فالكثير من هؤلاء الاطفال المرضى يتوفون او انهم لا يتزوجون, وعندما يتوفى طفل مصاب يتخلص المجتمع من اثنين من الجينات المريضة التي لم تكن ستختفي لو كان هذا الشخص حاملا للمرض فقط, لذا فإن عدد الجينات المريضة التي تنتقل من جيل الى آخر سوف تقل تدريجيا بالتخلص من الجينات المريضة, ولكن هذا ما يحصل في المختبرات على عينات من الحيوانات او البكتيريا إذا تم تزويجها بنفس الفصيلة المعزولة ولكنه لا يحصل في المجتمع الانساني إذ ان هناك العديد من العوامل التي يجب مراعاتها والتي يكون لها تأثير مثل طريقة ونوعية زواج الاقارب هذه, والفترة التي طبق فيها زواج الاقارب، وتواجد اقارب مناسبين، الزواج الفردي او المتعدد عدد الاطفال في العائلة وهل هناك تشجيع او تحديد لعدد الاطفال، ونسبة العوامل الوراثية المريضة، لذا تنتج الاختلاف في النتائج.

تأثير زواج الأقارب على الخصوبة
على الرغم من الكثير من الدراسات حول تأثير هذا الزواج على الخصوبة والاجهاض إلا انها اعطت نتائج متناقضة.
أما تأثير زواج الاقارب على وفيات الاطفال فمن خلال الدراسات على مختلف المجموعات السكانية يلاحظ ان وفيات الاطفال يتراوح بين 20 50% في مختلف المجتمعات السكانية على مدى تاريخ البشرية,وقد قلت نسبتها في العصر الحالي وفي دراسة حديثة للدكتور Bilttle وجد ان في حالة زواج الاقارب تزيد نسبة وفيات الاطفال نسبة 1,3 4,1% مقارنة بالزواج من غير الاقارب ولكنه ذكر انه لا يمكن ان نعتمد على هذه النسبة حيث ان المجتمعات ترتفع فيها نسبة وفاة الاطفال تكون هناك العديد من العوامل المؤثرة خاصة إذا كان المستوى الاجتماعي متدنيا.
وتعتبر الامراض الوراثية والتشوهات الخلقية من الاسباب الرئيسية لهذه الوفيات, لذا من الصعوبة معرفة إذا كانت وفيات الاطفال هذه بسبب زواج الاقارب مثلا ان نسبة زواج الاقارب بين الباكستانيين في باكستان 30% ولكن نسبته بين الباكستانيين في انجلترا هو 75% حيث ان المهاجرين الباكستانيين يفضلون الزواج من اقارب لهم في باكستان, ويلاحظ ان نسبة وفيات المواليد والاطفال بين هذه الفئة كثيرة قد تكون الاسباب الوراثية احد الاسباب ولكن من الاسباب ايضا: الفقر والمستوى المعيشي السيئ بينهم, سوء التغذية، فقر الدم الحديدي خاصة بين النباتيين, كبر سن الأمهات خاصة الأمهات اكبر من 35 عاماً, قلة المناعة ضد الحصبة الالمانية والأمراض الاخرى, صعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية لعدة اسباب.
كما لاحظ Bilttle ان المتزوجين من الاقارب في جنوب الهند، لديهم اولاد اكثر بسبب انهم يتزوجون في عمر مبكر قبل الذين يتزوجون من اباعد, وان عدد الاطفال الزائد يعوض عن عدد الاطفال المتوفين لذا لا يكون لديهم مشكلة بالنسبة لوفيات الاطفال.
وهناك دراسات قارنت بين مستوى اداء وذكاء الاطفال من زواج الاقارب ونوعية الامراض مثل الصمم وصعوبات التعليم واعطت هذه الدراسات نتائج متناقضة.
في حين انه دراسة من تركيا ذكرت ان هذه التغيرات وجدت في عدد قليل من العائلات فقط, ولكن وجد ان هذه العائلات يتكرر فيها اصابة الاطفال بالصم وصعوبة الكلام والنطق اكثر من العائلات التي تتزوج من الاباعد.
وهناك بعض الامراض التي درست مثل نقص الغدة الدرقية وتأثيرها على التخلف العقلي وجد ان 555 من الاطفال المصابين بها يكون آباؤهم اقارب ولكننا إذا لاحظنا ان 55% من الزواجات تكون بين الاقارب نظل في حيرة من تأثير زواج الاقارب.

متى نحذر منه؟!
* متى يجب ان نحذر من زواج الأقارب؟
تقول د, العريض إذا عرف الشخص ان أحد أفراد عائلته، أو عائلة شريك حياته، ولد له اطفال مصابون بمرض مزمن ابتداء في بداية الحياة وهو متكرر في العائلة فهذا يعني ان هناك احتمالا ان يكون المرض وراثيا في هذه الحالة من الافضل استشارة الطبيب ودراسة الحالة المرضية ومدى تكرارها واجراء الفحوصات اللازمة ومن ثم يمكن التأكد مما إذا كان هذا المرض الذي يتكرر في العائلة وراثيا ام لا, فقد لا يكون المرض وراثيا وليس هناك احتمال لانتقال المرض إلى الابناء, وبالتالي فليس هناك خطر من الزواج من الاقارب، اما إذا كان هناك احتمال وجود مرض وراثي في العائلة فإن الطبيب سوف يشرح المرض بصورة مفصلة وماهي نسبة الخطورة في اصابة الابناء وهل هناك علاج لهذا المرض, وهل هناك طرق لاكتشاف ما إذا كان الشخص حاملا للعامل الوراثي المريض ام لا, وما هي الاحتمالات إذا تزوج من قريبته, وكما قلنا فإنه حتى لو ظن الزوجان انهما يحملان نفس العامل الوراثي المريض, فإن الاحتمال في انجاب اطفال مرضى هو 25%.

* ولكن ما كيفية الوقاية من الأمراض الوراثية في زواج الأقارب؟
تنصح كل من منظمة الصحة العالمية، ومجلس وزراء الصحة العرب، ومجلس وزراء الصحة لدول مجلس التعاون بانشاء مراكز للوراثة في كل البلاد العربية لمكافحة هذه الامراض ومن أهدافها خفض نسبة انتشار الامراض الوراثية وتطوير الخدمات العلاجية والتثقيفية الارشادية المقدمة الى المرضى بأمراض وراثية، وعائلاتهم وتأمين القدر الكافي من الاختبارات للفئات المعرضة لخطر الامراض الوراثية، وذلك بتوفير الفحوص الدقيقة والحديثة, وتوفير التشخيص المبكر لها ونشر الوعي الصحي للوقاية من هذه الامراض، وتقديم النصح قبل الزواج وقبل وأثناء الحمل وبعد الولادة وبعد تشخيص الحالة، ودعم الاسر المتأثرة وتخفيف الاثر الجسماني والاجتماعي والاقتصادي وتوفر هذه المراكز جميع الانشطة المتعلقة بمكافحة الامراض الوراثية، بما في ذلك الخدمات السريرية والمخبرية والمسح الوراثي والارشاد الوراثي وفحص المقبلين على الزواج واجراء الفحوصات الوراثية للحوامل ولحديثي الولادة, وانشاء السجلات الوراثية للامراض الوراثية والتشوهات الخلقية.
وهناك الكثير من الامراض الوراثية التي يمكن تفاديها بالنصح والارشاد الوراثي ففي جلسة الاستشارة الوراثية لاشخاص اقارب مقبلين على الزواج يأخذ التاريخ العائلي للطرفين وتدرس جميع الامراض الوراثية في العائلة من خلال استعراض عام لسلوك الصفات، يمكن رسم الشجرة العائلية، والتوصل إلى كيفية وطبيعة توارث اي صفة وراثية, ومن خلال تطبيق القوانين الوراثية يمكن اعطاء المشورة الوراثية للفرد عن درجة احتمال ظهور المرض في اطفاله ويشكل سجل العائلة ارضية فيما يخص الاختبارت التشخيصية الاخرى الضرورية التي يجب اجراؤها ولكن هذا السجل يكون صعب التحديد في الغالب، ويعطي دائما احتمالا نسبيا لظهور المرض، ويترك الخيار للشخص نفسه فيما يخص قرار الارتباط والانجاب ويمكن اجراء الفحص قبل الزواج او الفحص اثناء الحمل للحاملين للمرض.
أما عن احتمال انجاب اطفال مرضى فإن الازواج من غير الاقارب يعطون احتمال 2,5% لانجاب اطفال مرضى او الاجهاض، إذا لم يكن هناك تاريخ مرضي في العائلة, أما الازواج الاقارب فيعطون احتمال 5% لانجاب اطفال مرضى إلى جانب اضافة نسبة 3% احتمال الاصابة بالتخلف العقلي في كلتا الحالتين, لذا فإن الاقارب يكون عندهم احتمال 90% لانجاب اطفال اصحاء في حين ان غير الاقارب يكون عندهم 94 95% لانجاب اطفال اصحاء, هذه النسب صحيحة في البلاد الاوروبية, ولكن في البلاد الشرقية تكون احتمال انجاب اطفال مرضى اكبر خاصة إذا وجد تاريخ مرضي في العائلة حث انه في زواج الاقارب في مجتمعاتنا تكون القرابة بين ابناء العمومة اكثر من قرابة بين اولاد العم لأن الاباء والاجداد يكونون اولاد عم ايضا.
ويتم حاليا استخدام العديد من الوسائل لتشخيص بعض الامراض الوراثية مبكرا مثل دراسة الجينات ودراسة الكروموزومات لبعض الامراض ويمكن فحص دم الام لاكتشاف امراض الجنين, كما تستخدم طريقة الموجات فوق الصوتية والتي تظهر صورة الطفل موضحة به علامات التشويه ان وجدت
ويمكن فحص المولود في الاسبوع الاول بعد الولادة للكشف عن امراض الدم الوراثية وأمراض التمثيل الغذائي وأمراض نقص الغدة الدرقية، حتى يمكن علاجها قبل أن تبدأ أعراضها ومضاعفاتها.

المصدر:جريدة الجزيرة السعودية

close
Facebook IconYouTube IconTwitter Icon